×

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين

الإنسان ذلك المخلوق العجيب، كما عبَّر عنه الكتاب، و”الإنسان هو الكون الأخير” كما عبَّر عنه الفلاسفة. الإنسان هو ثمرة الوجود. ولا شك أن وصف الله للإنسان هو أدق وصف، وإخباره تعالى عنه هو أصدق الإخبار. فالله عز وجل يقول في سورة التين: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}.

فالإنسان قد شرف بخصوصية خلق دون مخلوقات الله. وقد ذكر ذلك في كتابه العزيز: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} (سورة ص: ٧٥). ومن أجل هذه الخلقة الكريمة، أمر سبحانه ملائكته بالسجود: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم}(سورة البقرة: ٣٤). ففي هذه الآية أُمرت أشرف المخلوقات وأعلاها مكانة بالسجود. واستحق إبليس اللعين ما استحق لما لم يخضع لهذا التشريف الرباني للإنسان. ونحن سنتوقف مع قول الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}لنتعرض لقول أهل التفسير ثم نقدم رؤية متواضعة تعقيبًا.

قال المفسرون: خلقه الله على أحسن ما يكون، لأنه خلق كل شيء متقنًا على وجهه، وخلقه مستويًا: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} (سورة الانفطار: ٧). هذا الاستواء ميزة الإنسان عن باقي الخلق. فمن المعروف بيولوجيًا أن الخلقة الإنسانية معتدلة، حتى إن محور الارتكاز الذي يبدأ من رأس الإنسان مارًا بظهره حتى قدميه يمثل خطًا مستقيمًا (180). في حين أن أعلى المخلوقات رتبة بعد الإنسان، وهو الشمبانزي، يتكسر محوره بزاوية (90) درجة. ومن أقوال أهل التفسير، يقول ابن العربي المالكي: “ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان؛ فإن الله خلقه حيًا عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا مدبرًا حكيمًا.” يُفهم من كلام أهل التفسير أنه ينصب على الخلقة الظاهرية، وكأنهم يرجعون بهذه الآية إلى قوله سبحانه في سورة الانفطار: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} وربما فسرونها بمرحلة الشباب لأنها تمثل أعلى مستويات الاعتدال في الخلق.

ومع قول الله {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}، اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: “ثم رددناه إلى أرذل العمر”، وهو مروي عن ابن عباس. وروي عن مجاهد: “إلى النار”. وقد رجح الطبري رحمه الله القول الأول، وذلك لأن الآية تتكلم عن الإنسان، وهو لفظ عام يدخل فيه المؤمن والكافر. هذا مختصر قول أهل التفسير، وعلى كلٍّ، فالآيات الكريمة تربط بين ثلاثة أشياء: الخلقة، والتقويم، والتسفل. ففي هذه الآية ارتباط بين الخلقة الحسنة والتقويم والردة إلى أسفل سافلين.

والتفسير الذي يوجه الآية إلى مرحلة عمرية، وهي أرذل العمر، يجعل الآية ليست ذات معنى عام وشامل؛ لأن الله سبحانه قد تكلم عنها بتفصيل في سورة الحج: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} (سورة الحج: ٥). وفي سورة الروم: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}(الآية رقم: ٥٤). وفي سورة النحل: {وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} (الآية رقم: ٧٠).

لكن الآيات جمعت بين الخلقة المادية والروحية؛ فإن الله عز وجل خلق الإنسان من جسم مادي وروح شفافة: جسم مشدود إلى الأرض وروح تتطلع إلى السماء، جسم له أدرانه وشهواته وروح تسمو نحو الله، جسم له مطالب الحيوان وروح لها أشواق الملائكة. لقد جمع الله بين حسن الخلق والتقويم والردة إلى أسفل سافلين. فليس هناك شيء أكثر مناسبة في هذا الجمع المذكور إلا أن يسمو الروح فيعلو ويرتفع، وإن ميل إلى الشهوات تسفل ونزل.

و”التقويم” من دلالته تعديل السلوك. ونقول إن هناك ارتباطًا بين خلقة الإنسان وتقويم سلوكه. وذلك أننا إذا نظرنا إلى ترتيب أعضاء الإنسان التي تنفعل منها دوافعه وسلوكه الأخلاقي – من أسفل إلى أعلى – فنجد الفرج وهو مصدر الشهوة والمناكحة أسفل الخلقة، وأعلى منها البطن وهي محل شهوة الجوع، ثم نجد الصدر وفيه القلب الذي هو محل الميول والهوى. ثم نجد الرأس وفيه آلة الإدراك والتفكير وهو العقل.

وكل ما علا يستطيع أن يقوم بما هو أسفل منه. فشهوة الفرج تقوم وتضبط بما هو فوقها بالتحكم في شهوة البطن. وعلى هذا جاء حديث المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».أي وقاية وجُنّة. والوجاء قطع الميل إلى الشهوة. وبذلك لا يتسفل الإنسان، وإنما يعلو إلى رتبة أعلى، لأنه يتحكم في شهوة الفرج.

ثم نأتي إلى شهوة الجوع ومحلها البطن، ويتحكم فيها القلب الذي في الصدر. فلما كان الجوع شهوة لا تُدفع تمامًا لأن قوام الحياة بها، مُنع منها ما هو حرام، ويُدفع بالتقوى والورع الذي محله القلب الذي في الصدر. وفي هذا إشارة النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فمن لم يتحكم في شهوة البطن والفرج ولم يقومهما بالقلب، تسفّل إلى رتبة الحيوان كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم (سورة محمد: ١٢).

ثم إذا انتكس القلب وعمى عن رؤية الحقيقة، ولم يتصف بالإيمان، وختم عليه بالران، لم يبقَ مقوّمًا ومتحكمًا في السلوك الإنساني إلا العقل أعلى شيء في الخلقة. العقل الذي خلقه الله عز وجل فيه قوامة التقييم والموازنة بين ما هو ضار ونافع وبين المصالح والمفاسد.

فالعقلاء، حتى وإن لم يكونوا يُرشدون بالإيمان، فعندهم من العقل ما يصلحون به أمور الشطط والهوى، وتراهم يتحكمون في سلوكهم حتى وإن لم يكن ذلك إيمانًا وانقيادًا. فإن لم يكن للعقل تقويم تسفل الإنسان إلى درجة دنيا. يقول الله عز وجل: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} (سورة الأعراف: ١٧٩).

لأن العقل وإن كان فيه التقويم بالموازنة والقياس، إلا إنه يختل باختلاف الميول واختلاف البينات، فآفة العقل الاختلاف. ولهذا يحتاج إلى ضابط ومقوّم، وهذا المقوّم هو الشرع الذي نزل من الأعلى سبحانه وتعالى. يقول الله في سورة البقرة: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (الآية رقم: ٢١٣)، وقال: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} (سورة النحل: ٦٤). وإذا لم يتقوَّم العقل بالشرع تسفَّل، وحدث الاختلاف والاقتتال كما حال الحيوانات في الغابة. فالارتباط وثيق بين حسن الخلقة وحسن الخلق، بين الاعتدال الخَلقي والتقويم السلوكي. وإلا فإن الإنسان في أسفل سافلين، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (سورة المؤمنون: ١٤).

أما عن “أسفل سافلين”، فهو كما فسره العلماء بأرذل العمر (الشيخوخة)، وعلى رأي آخر (النار). ومجمل الآيات عندهم أنها تتكلم عن الكافر. وإن كان من قول، فإنها الدواب والأنعام التي خلقت مكبَّة على وجهها، فاتجاه الخلقة إلى الأرض يُسفِّل هذه الخلقة. وهذه الخلقة استلزمت أن تستوي عند هذه العجماوات أعضاء الدوافع السلوكية عندها. فتجد مستوى البطن والفرج والعقل في مستوى واحد تقريبًا. والمقصود أنه ليس هناك سلطان لآلة على أخرى كما في الإنسان، أي أنه لا يوجد تقويم وتعديل في سلوك هذه البهائم، إنما تحكمها (الجبلة التي خلقها الله عليها)، والخدمة التي سخرها الله من أجلها لبني آدم.

{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}إذا لم يتميز الإنسان بهذا التقويم السلوكي رُدَّ إلى أسفل سافلين. فنجده لو تخلّى عن الشرع الأعلى وركن إلى عقله القاصر مستعليًا به على الشرع. ومثاله في الكتاب العزيز: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}، ثم قال سبحانه: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} (سورة الأعراف: ١٧٥-١٧٦).

وتجده مثلاً لما تكاسل عن التفكير ويعطّل آية العقل، يُضرب مثله بالحمار بقوله تعالى: وتجده مثلاً لما تكاسل عن التفكير ويعطّل آية العقل، يُضرب مثله بالحمار بقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} (سورة الجمعة: ٥).

ولما يجافي الإنسان الشرع بعقله وبقلبه، ولا تكون عنده مسكة تمنعه عن هذا الشرع، يُشار إليه بالقردة والخنازير، {فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (سورة الأعراف: ١٦٦). هذا الترتيب التنظيمي الرباني لو اتبعه الإنسان علا وارتفع، وإلا فهو إلى أسفل سافلين. (والحمد لله رب العالمين

 دكروري عبد النعيم: مبعوث الأزهر الشريف في جاكرتا

Post Comment